محمد سالم أبو عاصي

69

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

اللسان ، فلا يقال : من دخل أكرمته إلا نفسي . وإنما ينبغي استثناء شيء يتوهم دخوله لو لم يستثن . وكذلك نقول : إن لفظ " الناس " في المثال الثاني يعم كل من لقيت ومن لم تلق ، وليس ذلك بمراد ، وإنما يراد ما شأنه أن يتناوله الحكم المذكور عادة . ومن هنا كان قوله تعالى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [ سورة الأحقاف : 25 ] ، ليس مقصودا به أنها تدمر السماوات والأرض والجبال ، وإنما قصد ما شأنه أن تؤثر فيه الريح عادة كالحيوان والزرع ، ولذلك قال بعدها : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ سورة الأحقاف : 25 ] . قال الإمام الغزالي في قوله صلى اللّه عليه وسلم : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " : إنه لا يبعد أن يكون التعرض للدباغ نفسه مخرجا لجلود الكلاب ونحوها ، بحيث لا تخطر بذهن المتكلم ولا السامع ، وقد قال طائفة من أهل الأصول : إن ما لا يخطر ببال المتكلم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه عند التعميم . - ومثال ما جرى فيه للشارع عرف خاص يقف به دون الأوضاع والاستعمالات اللغوية : ما ورد من عمومات الوعيد على الذنوب التي هي بمفردها دون الشرك ، ولكنها في الأصل من مساوئ أعمال الكفار ، وقبائح صفاتهم ، فلما توعّد فاعلوها ؛ لم يستثن منهم أحد اتّكالا على ما عرف من كليات الشرع القطعية أن كل ذنب دون الشرك لا بأس من مغفرته ، كقوله تعالى خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ سورة التغابن : 9 ] ، ونحوها . فمن لم يعرف معهود الشارع ومقاصده حمل تلك العمومات على ظاهرها في المؤمنين وغيرهم ، ومن